ردالشيعة علي شبهة "طينة الشيعه"
الشبهة : من عقائد الشيعة المشهورة: عقيدة «الطينة»، وملخصها أن الله عز وجل قد خلق الشيعة من طينة خاصة وخلق السنة من طينة خاصة! وجرى المزج بين الطينتين بوجه معين؛ فما في الشيعي من معاصٍ وجرائم هو من تأثره بطينة السني! وما في السني من صلاح وأمانة هو بسبب تأثره بطينة الشيعي!، فإذا كان يوم القيامة جمعت موبقات وسيئات الشيعة ووضعت على السنة! وجمعت حسنات السنة وأعطيت للشيعة! وفات الشيعة أن هذه العقيدة المخترعة تناقض مذهبهم في القضاء والقدر وأفعال العباد؛ لأن مقتضى هذه العقيدة أن يكون العبد مجبوراً على فعله وليس له اختيار؛ إذ أفعاله بمقتضى «الطينة»، مع أن مذهبهم أن العبد يخلق فعله كما هو مذهب المعتزلة!
تاريخ النشر : 2017/1/7 - السبت 09 ربيع الثاني 1438
عدد الزيارات : 137
رقم الخبر : 8128

 

فإننا نجيب بما يلي:

أولاً: قال السائل: «من عقائد الشيعة المشهورة»، وملخصها: أن الله قد مزج بين طينة الشيعة، وطينة السنة، وأن حسنات السنة تعطى للشيعة وسيئات الشيعة تعطى للسنة نتيجة لذلك..

وهذا غيرمقبول لما يلي:

ألف: إن هذا ليس هو ملخص عقيدة الشيعة في الطينة..

ب: إن هذا الملخص ذكرته رواية وردت عند الصدوق([1])، والشيعة لا يأخذون عقائدهم من أخبار الآحاد، لأنهم يشترطون ثبوت الإعتقادات بالحجة والبرهان، ولا يرون في خبر الواحد ما يكفي لإثبات أمر اعتقادي.

ج: إن هذا مما لا يتداوله الشيعة، ولا يذكرونه في جملة عقائدهم، وليس معروفاً بينهم لا من قريب ولا من بعيد..

د: إن سند هذه الرواية مجهول، وهو عبد الله بن محمد الهمداني، فإنه لم يذكر في كتب الرجال([2]).

ثانياً: لم ينقل السائل مضمون الرواية بصورة صحيحة، فإنها لم تتحدَّث عن طينة أهل السنة وطينة الشيعة، بل تحدَّثت عن طينة الشيعة، وطينة النواصب أعداء أهل البيت «عليهم السلام»، وأهل السنة ليسوا من النواصب، بل هم يتبرأون منهم. والنواصب هم المعلنون بالعداء لأمير المؤمنين «عليه السلام»، المصرحون بتنقصه، الساعون في نقض فضائله، المثنون على قتلته، والساعون لتبرئتهم،

فما معنى تحريف الكلام، وتبديل النواصب بأهل السنة؟!

ثالثاً: إن انسجام هذه الرواية مع عقيدة الجبر التي يذهب إليها غير الشيعة يدلُّ على أنها ليست من عقائد الشيعة، فلماذا يجعلها السائل من أدلة اختلال مذهب الشيعة.. ولذلك لم نجد الشيعة يجعلونها في ضمن عقائدهم.

رابعاً: إن اللغة العربية لا تسمح بأن يقال: خلق فلان حركة يده، أو نحو ذلك. بل يقال: فعل فلان كذا. ولا يقال عن الذي يفعل شيئاً أنه خلق فعله..

وقوله تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾([3]).. يراد به: ما يصنعونه من تماثيل، وأجسام ثم يعبدونها سفهاً منهم وضلالاً... ولا يقصد به الأفعال التي تصدر عنهم..

خامساً: إن أهل السنة يقولون: إن الله تعالى هو الفاعل لأفعال البشر، وهو الخالق لتلك الأفعال، فقال لهم الشيعة: لو صح هذا لكان تعالى مريداً للفواحش، كارهاً للطاعات، لأنه هو الموجد لحب الفواحش وكراهة الطاعات في قلوب الشياطين، لأن خلق الشيء يستلزم إرادته والرضا به، وتقدير عدم الطاعة معناه كراهة وجودها، فكيف يأمر بما كرهه، وينهى عما أحبه وأراد وجوده؟!

فالصحيح أن يقال: إن الله تعالى لا يخلق أفعال العباد فيهم، بل هو يفيض الوجود على المكلف، فيصبح قادراً عاقلاً مختاراً مريداً الخ.. والمكلف هو الذي يريد الطاعة والمعصية، فيحرك قدرته هنا أو هناك، فيحصل الفعل، بإرادة واختيارالمكلف، وبالإستفادة من القدرة التي وضعها الله تحت اختياره.

وهذا كما لو أعطيت شخصاً الطاقة الكهربائية، فهو الذي يوظفها في هذا العمل وذاك. وكذا لو وهبت شخصاً مالاً، فإنه هو الذي يعصي به ويطيع، فلولا المال والكهرباء التي أعطيته إياها لم يستطع أن يفعل ما فعل من خير أو شر.. كما أنك أنت لست الذي فعلت تلك الأفعال، هو الفاعل المختار، الذي يعود النفع والضرر إليه وعليه.. وهو الذي يثاب ويعاقب، وليس الذي أعطاه القدرة.

سادساً: إن أخبار الطينة موجودة حتى عند أهل السنة، فقد روي: أنه لما كان علي «عليه السلام» أميراً على اليمن، وحسده خالد على أخذ جارية من الغنائم، أرسل بريدة إلى رسول الله «صلى الله عليه وآله» يشكو علياً «عليه السلام»، فغضب «صلى الله عليه وآله» وقال لبريدة في جملة ما قال: «من فارق علياً فقد فارقني، إن علياً منى وأنا منه، خلق من طينتي، وخلقت من طينة إبراهيم، وأنا أفضل من إبراهيم الخ..»([4]).

وفي نص آخر عنه «صلى الله عليه وآله»: «خلقت أنا وهارون بن عمران، ويحيى بن زكريا، وعلي بن أبي طالب من طينة واحدة»([5]).

بل لقد رووا: أنه «صلى الله عليه وآله» قال: «خلق الناس من أشجار شتى، وخلقت أنا وجعفر من طينة واحدة»([6]).

بل في بعض روايات أهل السنة عنه «صلى الله عليه وآله»: «خلقت أنا وأبو بكر وعمر من طينة واحدة»([7]).

بل لقد بلغ الأمر بابن سيرين حداً جعله يقول: «لو حلفت، حلفت صادقاً باراً غير شاك ولا مستثنٍ: أن الله تعالى ما خلق نبيه «صلى الله عليه وآله» ولا أبا بكر، ولا عمر إلا من طينة واحدة، ثم ردّهم إلى تلك الطينة»([8]).

ونحن نعتقد: أن الأحاديث في هذا المجال قد صرفت عن النبي وأهل بيته، ليستفيد منها غيرهم، فجاءت أحاديث أبي بكر وعمر لتحل محلها في هذا السياق..

سابعاً: أما تبادل الحسنات والسيئات، فله نظائر أيضاً عند أهل السنة، فقد صرحت الروايات الكثيرة: بأن الله تعالى يعطي حسنات العبد لأناس شتمهم، وأكل مالهم، أو قذفهم، أو سفك دمهم، أو ضربهم، ويعطيه هو من سيئاتهم([9]).

.......................................................................................................................................................................

([1]) علل الشرائع ج2 ص489 وبحار الأنوار ج5 ص246.

([2]) راجع: مستدركات علم رجال الحديث للنمازي ج5 ص105.

([3]) الآية 96 من سورة الصافات.

([4]) مجمع الزوائد ج9 ص128 والمعجم الأوسط للطبراني ج6 ص163 وينابيع المودة ج2 ص364 و 458.

([5]) تاريخ بغداد ج6 ص56 وتاريخ مدينة دمشق ج42 ص63 و 64 والموضوعات لابن الجوزي ج1 ص339 وينابيع المودة ج3 ص211 وميزان الإعتدال ج3 ص538 والكشف الحثيث ص227 و 228.

([6]) مقاتل الطالبيين ص10 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص662 عن ابن عساكر، وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج15 ص72 وشرح الأخبار ج3 ص205.

([7]) كنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج11 ص567 عن الديلمي، وتاريخ مدينة دمشق ج44 ص121 وسبل الهدى والرشاد ج11 ص246.

([8]) عمدة القاري ج8 ص226 عن الترمذي، وسبل الهدى والرشاد ج3 ص316 وراجع: تاريخ مدينة دمشق ج44 ص121.

([9]) سنن الترمذي ج4 ص36 و 37 والجامع الصغير للسيوطي ج2 ص12 وكنز العمال (ط مؤسسة الرسالة) ج4 ص213 وجامع البيان ج1 ص380 ومجمع الزوائد ج10 ص355 وتحفة الأحوذي ج7 ص87 والمعجم الأوسط للطبراني ج2 ص191 وج5 ص227 وفيض القدير ج4 ص34 والتفسير الكبير للرازي ج3 ص54 وتذكرة الحفاظ ج4 ص1410 وأحكام الجنائز للألباني ص4 عن البخاري، والبيهقي ج3 ص369 والبخاري ج3 ص99 وصحيح مسلم ج8 ص18.

التعليقات
إرسال تعليق
اشترك في النشرة الإخبارية
انقر لاستلام النشرة الخبریة .
أحدث المعلومات التي تحتاج إلى معرفتها