فـي عيـادة أبي بكر وعمر للزهراء(عليها السلام) بعـد مرضها نتيجة أذاهما لـها، وغضبهـا عليهـما
من الحقائق الثابتة المعروفة هي أنّ القوم حاولوا بعد ارتكابهم الجرائم المنكرة أن يُغطّوا عليها بزيارة الزهراء(عليها السلام) لعلّها ترضى عنهم،
تاريخ النشر : 2015/6/27 - السبت 11 رمضان 1436
رقم الخبر : 376

 

وفي هذا السياق ذكر ابن قتيبة قال: قال عمر لأبي بكر: انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا عليّاً فكلّماه، فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلّما عليها، فلم تردَّ عليهما السلام، فتكلّم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله([1])، والله إنّ قرابة رسول الله أحبّ إليّ من قرابتي، وإنّكِ لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي، ولَوَدَدتُ يوم مات أبوكِ أنّي مِتُّ ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقّك وميراثك من رسول الله؟! إلاّ أنّي سمعت أباك رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول: لا نورّث، ما تركنا فهو صدقة([2])، فقالت: أرأيتكما إن حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)تعرفانه وتفعلان به؟ قالا: نعم. فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟! قالا: نعم سمعناه من رسول الله(صلى الله عليه وآله)، قالت: فإنّي اُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيتُ النبيّ لأشكونّكما إليه، فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثمّ انتحب أبو بكر يبكي، حتّى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لأدعونّ الله عليك في كلّ صلاة اُصلّيها، ثمّ خرج باكياً، فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كلّ رجل منكم معانقاً حليلته، مسروراً بأهله، وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي([3]).

 

أقول: وفي هذا الحديث كفاية لثبوت إيذائهما لها وغضبها(عليها السلام) عليهما.

 

وأخرج البخاري عن أنس مرفوعاً: «فاطمة بضعة منّي فمن أغضبها أغضبني»([4]).

 

عن عائشة قالت: إنّ فاطمة غضبت على أبي بكر وهجرته، ولم تزل مهاجرته حتّى توفِّيت([5]).

 

وأخرج أبو سعيد في شرف النبوّة وابن المثنّى كما في الصواعق المحرقة: أ نّه(صلى الله عليه وآله) قال : «يا فاطمة ، إنّ الله يغضب لغضبك ويرضى لرضاك ، وقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً)»([6]) .

 

وروى العلاّمة المجلسي(قدس سره) عن مصباح الأنوار عن أبي جعفر(عليه السلام) في حديث قال: فمرضت فاطمة(عليها السلام)، فجاءا يعودانها فلم تأذن لهما، فجاءا ثانيةً من الغد، فأقسم عليها أمير المؤمنين(عليه السلام)فأذنت لهما، فدخلا عليها فسلّما، فردّت ضعيفاً. ثمّ قالت لهما: أسألكما بالله الّذي لا إله إلاّ هو، أسمعتما يقول رسول الله(صلى الله عليه وآله)في حقّي: «مَن آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله؟»، قالا: اللهُمَّ نعم، قالت: «فأشهد أ نّكما قد آذيتماني»([7]).

 

وعن أسماء بنت عميس قالت: طلب إليّ أبو بكر أن أستأذن له على فاطمة يترضّاها، فسألتها ذلك، فأذنت له، فلمّا دخل ولّت وجهها الكريم إلى الحائط، فدخل وسلّم عليها، فلم تردَّ، ثمّ أقبل يعتذر إليها ويقول: ارضي عنّي يا بنت رسول الله، فقالت: يا عتيق! أتيتنا من ماتَّت([8]) أو حملت الناس على رقابنا، اُخرج فوالله ما كلّمتك أبداً حتّى ألقى الله ورسوله فأشكوك إليهما([9]).

 

وروى أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي قال: كنت عند عبدالله ابن عباس في بيته ومعنا جماعة من شيعة عليٍّ(عليه السلام) فحدّثنا، فكان فيما حدّثنا أن قال: يا إخوتي توفّي رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم توفّي فلم يوضع في حفرته، حتّى نكث الناس وارتدّوا وأجمعوا على الخلاف... ـ إلى أن قال: ـ فمرضت فاطمة، وكان عليّ(عليه السلام)يصلّي في المسجد الصلوات الخمس، فكلّما صلّى قال له أبو بكر وعمر: كيف بنت رسول الله؟ إلى أن ثقلت، فسألا عنها وقالا: قد كان بيننا وبينها ماقد علمت، فإن رأيت أن تأذن لنا فنعتذر إليها من ذنبنا؟ قال(عليه السلام): «ذاك إليكما»،فقاما فجلسا بالباب، ودخل عليّ(عليه السلام)على فاطمة(عليها السلام) فقال لها: «أيّتها الحرّة، فلان وفلان بالباب يريدان أن يسلّما عليك، فما ترين؟ قالت(عليها السلام): البيت بيتك والحرّة زوجتك، فافعل ما تشاء»، فقال: «شُدِّي قناعك»، فشدّت قناعها وحوّلت وجهها إلى الحائط، فدخلا وسلّما وقالا: ارضي عنّا رضي الله عنك، فقالت: «ما دعاكما إلى هذا؟»، فقالا: اعترفنا بالإساءة ورجونا أن تعفي عنّا وتخرجي سخيمتك([10])، فقالت: «فإن كنتما صادقين فأخبراني عمّا أسألكما عنه، فإنّي لا أسألكما عن أمر إلاّ وأنا عارفة بأنّكما تعلمانه، فإن صدقتما علمت أنّكما صادقان في مجيئكما»، قالا: سلي عمّا بدا لك.

 

قالت: «نشدتكما بالله، هل سمعتما رسول الله(صلى الله عليه وآله)يقول: فاطمة بضعة منّي، فمن آذاها فقد آذاني؟»، قالا: نعم. فرفعت يدها إلى السماء فقالت: «اللّهم إنّهما قد آذياني، فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك، لا والله، لا أرضى عنكما أبداً حتّى ألقى أبي رسول الله واُخبره بما صنعتما، فيكون هو الحاكم فيكما»، قال: فعند ذلك دعا أبو بكر بالويل والثبور وجزع جزعاً شديداً... إلى آخره([11]).

 

وعن جعفر بن محمد، عن آبائه(عليهم السلام) قال: «بينما أبو بكر وعمر عند فاطمة يعودانها، فقالت: أسألكما بالله الذي لا إله إلاّ هو، هل سمعتما رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول: من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله؟ فقالا: اللّهمّ نعم، قالت: فأشهدُ أنّكما آذيتماني»([12]).

 

وعن أبي عبدالله(عليه السلام) في حديث قال: «فلمّا مرضت فاطمة مرضها الّذي ماتت فيه أتياها عائدين واستأذنا عليها، فأبت أن تأذن لهما، فلمّا رأى ذلك أبو بكر أعطى الله عهداً أن لا يظلّه سقف بيت حتّى يدخل على فاطمة ويتراضاها، فبات ليلةً في البقيع ما يظلّه شيء، ثمّ إنّ عمر أتى عليّاً(عليه السلام) فقال: إنّ أبا بكر شيخ رقيق القلب وقد كان مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الغار، فله صحبة وقد أتيناها غير هذه المرّة مراراً نريد الإذن عليها وهي تأبى أن تأذن لنا حتّى ندخل عليها فنتراضى، فإن رأيت أن تستأذن لنا عليها فافعل.

 

قال: نعم، فدخل عليّ(عليه السلام) على فاطمة(عليها السلام)فقال: يا بنت رسول الله، قد كان من هذين الرجلين ما قد رأيت، وقد تردّدا مراراً كثيرةً وردَدتِهما ولم تأذني لهما، وقد سألاني أن أستأذِن لهما عليك؟

 

فقالت: والله لا آذن لهما ولا اُكلّمهما كلمةً من رأسي حتّى ألقى أبي فأشكوهما إليه بما صنعاه وارتكباه منّي.

 

فقال عليّ(عليه السلام): فإنّي ضمنت لهما ذلك. قالت: إن كنت قد ضمنت لهما شيئاً، فالبيت بيتك والنساء تتبع الرجال لا اُخالف عليك بشيء فائذَن لمن أحببت، فخرج عليّ(عليه السلام)فأذن لهما، فلمّا وقع بصرهما على فاطمة(عليها السلام)سلّما عليها، فلم تردّ عليهما، وحوّلت وجهها عنهما، فتحوّلا واستقبلا وجهها، حتّى فعلت مراراً، وقالت: يا عليّ، جاف الثوب، وقالت لنسوة حولها: حوّلن وجهي، فلمّا حوّلن وجهها، حوّلا إليها، فقال أبو بكر: يا بنت رسول الله، إنّما أتيناك ابتغاء مرضاتك، واجتناب سخطك، نسألك أن تغفري لنا وتصفحي عمّا كان منّا إليك، قالت: لا اُكلّمكما من رأسي كلمةً واحدةً أبداً حتّى ألقى أبي وأشكوكما إليه، وأشكو صنيعكما وفعالكما، وما ارتكبتما منّي، قالا: إنّا جئنا معتذرين، مبتغين مرضاتك، فاغفري واصفحي عنّا، ولا تؤاخذينا بما كان منّا.

 

فالتفتت إلى عليٍّ(عليه السلام)وقالت: إنّي لا اُكلّمهما من رأسي كلمةً حتّى أسألهما عن شيء سمعاه من رسول الله، فإن صدّقاني رأيت رأيي، قالا: اللهمّ ذلك لها، وإنّا لا نقول إلاّ حقّاً، ولا نشهد إلاّ صدقاً، فقالت: أنشدكما الله أتذكران أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله)استخرجكما في جوف الليل لشيء كان حدث من أمر عليّ؟ فقالا: اللهمّ نعم. فقالت: أنشدكما بالله، هل سمعتما النبيّ(صلى الله عليه وآله)يقول: فاطمة بضعة منّي وأنا منها، من آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذاها بعد موتي فكان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي؟ قالا: اللهمّ نعم، قالت: الحمد لله.

 

ثمّ قالت: اللهمّ إنّي اُشهدك فاشهدوا يامن حضرني أنّهما قد آذياني في حياتي وعند موتي، والله لا اُكلّمكما من رأسي كلمةً حتّى ألقى ربّي فأشكوكما بما صنعتما بي، وارتكبتما منّي.

 

فدعا أبو بكر بالويل والثبور وقال: ليت اُمّي لم تلدني...» الحديث([13]).

 

 

 

عيادة اُمّ سلمة للزهراء(عليها السلام):

 

مرّ علينا أنّ الزهراء(عليها السلام) بقيت مكتئبةً حزينةً بعد وفاة النبيّ(صلى الله عليه وآله)، وأنّ أكثر من شخص عمد إلى زيارتها ومنهم: اُمّ سلمة والعباس وغيرهما، وقد نقل المؤرِّخون ردود فعلها وشكايتها ممّا لحق عليّاً ولحقها من ظلم، ومن ذلك ما ورد:

 

عن العياشي قال: دخلت اُمّ سلمة على فاطمة(عليها السلام) فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)؟ قالت: أصبحت بين كمد([14]) وكرب، فقد النبيّ وظلم الوصيّ، هُتِكَ واللهِ حجابه من أصبحت إمامته مقبضةً على غير ما شرع الله في التنزيل وسنّها النبيّ(صلى الله عليه وآله)في التأويل، ولكنّها أحقاد بدرية وتِرات([15]) اُحدية، كانت عليها قلوب أهل النفاق مكتمنةً لإمكان الوشاة، فلمّا استهدف الأمر أرسلت علينا شآبيب([16]) الآثار من مخيلة الشقاق فيقطع وتر الإيمان من قسيّ صدورها([17]).

 

في عيادة العباس بن عبد المطّلب لفاطمة(عليها السلام):

 

جاء كذلك بالنسبة إلى عيادة العباس بن عبدالمطّلب، حيث ورد:

 

عن الثمالي، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه(عليهما السلام)، عن محمد بن عمّار بن ياسر، عن أبيه، قال: لمّا مرضت فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) مرضتها الّتي توفّيت فيها وثقلت، جاءها العباس بن عبدالمطّلب عائداً، فقيل له: إنّها ثقيلة وليس يدخل عليها أحد، فانصرف إلى داره وأرسل إلى عليٍّ(عليه السلام) وقال لرسوله: قل له: يا بن أخي، عمّك يقرؤك السلام ويقول لك لله قد فجأني من الغمّ بشكاة حبيبة رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقرّة عينيه وعيني فاطمة ما هدّني، وإنّي لأظنّها أوّلنا لحوقاً برسول الله(صلى الله عليه وآله)يختار لها ويحبوها ويزلفها لربّه، فإن كان من أمرها ما لابدّ منه، فأجمع ـ أنا لك الفداء ـ المهاجرين والأنصار حتّى يصيبوا الأجر في حضورها والصلاة عليها، وفي ذلك جمال للدين.

 

فقال عليّ(عليه السلام)لرسوله وأنا حاضر عنده: أبلغ عمّي السلام وقل: لا عُدمت إشفاقك وتحيتك، وقد عرفت مشورتك، ولرأيك فضله، إنّ فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)لم تزل مظلومة، من حقّها ممنوعة، وعن ميراثها مدفوعة، لم تُحفظ فيها وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله)ولا رُعي فيها حقّه، ولا حقّ الله عزّ وجلّ، وكفى بالله حاكماً، ومن الظالمين منتقماً، وأنا أسألك يا عمِّ أن تسمح لي بترك ما أشرتَ به، فإنّها وصّتني بستر أمرها. قال: فلمّا أتى العباس رسوله بما قال عليّ(عليه السلام) قال: يغفر الله لابن أخي فإنّه لمغفور له، إنّ رأي ابن أخي لا يطعن فيه، إنّه لم يولد لعبد المطلب مولود أعظم بركةً من عليٍّ إلاّ النبيّ(صلى الله عليه وآله)،إنّ عليّاً لم يزل أسبقهم إلى كلّ مكرمة، وأعلمهم بكلّ فضيلة، وأشجعهم في الكريهة، وأشدّهم جهاداً للأعداد في نصرة الحنيفية، وأول من آمن بالله ورسوله(صلى الله عليه وآله)([18]).

 

في عيادة نساء المهاجرين والأنصار للزهراء(عليها السلام)، وخطبتها عليهنّ وبيان تأثّرها(عليها السلام)من رجالهنّ:

 

تقدّمت في صفحات سابقة خطبة الزهراء(عليها السلام) أمام القوم وما تضمّنته من الدلالات المفحِمة للقوم، ثم ما طبعها من البلاغة الفائقة، وإليك خطبتها الاُخرى المتّسمة بنفس الدلالات البلاغية، حيث ذكر الطبرسي(قدس سره) قال: قال سويد بن غفلة: لمّا مرضت فاطمة ـ سلام الله عليها ـ المرضة الّتي توفّيت فيها اجتمعت إليها نساء المهاجرين والأنصار ليَعُدنَها، فقلن لها: كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله؟ فحمدت الله، وصلّت على أبيها، ثمّ قالت:

 

أصبحت والله عائفةً لدنياكنّ، قاليةً لرجالكنّ، لفظتُهم بعد أن عجمتهم([19])، وشنأتهم بعد أن سبرتهم([20])، فقُبحاً لفلول([21]) الحدّ، واللعب بعد الجدّ، وقرع الصفاة([22])وصدع([23]) القناة([24])، وختل الآراء([25]) وزلل الأهواء، وبئس ما قدّمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جَرمَ لقد قلّدتهم ربقتها([26])، وحمّلتهم أوقتها([27])، وشننت([28]) عليهم غاراتها، فجدعاً([29]) وعقراً([30]) وبعداً للقوم الظالمين.

 

ويحهم أنّى زعزعوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوّة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبين([31]) باُمور الدنيا والدين؟! ألا ذلك هو الخسران المبين، وما الذين نقموا من أبي الحسن(عليه السلام)؟ نقموا والله منه نكير سيفه، وقلّة مبالاته لحتفه، وشدّة وطأته، ونكال وقعته، وتنمّره([32]) في ذات الله، وتا الله لو مالوا عن المحجّة اللائحة، وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة، لردّهم إليها، وحملهم عليها، ولسار بهم سيراً سجحاً([33])، لا يكلم خشاشه([34])، ولا يكلّ سائره، ولا يملّ راكبه، ولأوردهم منهلاً نميراً([35])، صافياً رويّاً، تطفح([36]) ضفتاه، ولا يترنّق([37]) جانباه ولأصدرهم بطاناً، ونصح لهم سرّاً وإعلاناً، ولم يكن يتحلّى من الغنى بطائل، ولا يحظى من الدنيا بنائل([38])، غير ريِّ الناهل، وشبعة الكافل، ولَبَانَ لهم الزاهد من الراغب والصادق من الكاذب (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَات مِنَ السَّماءِ وَالاَْرْضِ وَلكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)([39])، والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين، ألا هلمّ فاستمع، وما عشت أراك الدهر عجباً.

 

وإن تعجب فعجب قولهم، ليت شعري إلى أيِّ إسناد استندوا، وإلى أيِّ عماد اعتمدوا؟ وبأيّة عُروة تمسّكوا؟ وعلى أيّة ذرّية أقدموا واحتنكوا؟([40]) لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلاً، استبدلوا والله الذنابي([41]) بالقوادم([42]) والعجز بالكاهل([43])، فرغماً لمعاطسِ([44]) قوم (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)([45])، (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ)([46]) ويحهم (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)([47])، أما لعمري لقد لقحت، فنظرة ريثما تنتج، ثمّ احتلبوا مِلء القعب([48]) دماً عبيطاً وذُعافاً مبيداً، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غِبّ([49]) ما أسَّس الأوّلون، ثمّ طِيبوا عن دنياكم أنفساً، واطمئنّوا للفتنةِ جأشاً([50])، وأبشروا بسيف صارم وسَطوةِ معتد غاشم([51])، وبهَرَج([52]) شامل، واستبداد من الظالمين يَدَعُ فيئَكم([53]) زهيداً، وجمعَكم حصيداً([54])، فيا حسرةً لكم! وأنّى بكم وقد عَمِيَت([55]) عليكم؟! (أَنـُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ)([56]).

 

قال سويد بن غفلة: فأعادت النساء قولها(عليها السلام)على رجالهنّ، فجاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والأنصار معتذرين، وقالوا: يا سيّدة النساء، لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر قبل أن نبرم العهد، ونحكم العقد، لما عدلنا عنه إلى غيره، فقالت (عليها السلام): إليكم عنّي فلا عذر بعد تعذيركم([57])، ولا أمر بعد تقصيركم([58]).

 

 

بعض رواة ومصادر خطبة الزهراء(عليها السلام):

 

من الواضح أنّ تعدّد مصادر الحديث يُعزِّز صحته، وخطبتها(عليها السلام) تظلّ واحدةً من النصوص المتعدّدة مصادرها، ونحن نذكر بعضاً من ذلك، فقد رواها أحمد ابن طاهر البغدادي بإسناده عن عطية العوفي، قال: لمّا مرضت فاطمة(عليها السلام)المرضة التي توفّيت بها دخلن النساء عليها فقلن: كيف أصبحت من علّتك يا بنت رسول الله؟ قالت: «أصبحت والله عائفةً لدنياكم ، قاليةً لرجالكم...» وذكر الحديث نحوه([59]).

 

وابن أبي الحديد، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بإسناده، عن عبدالله بن الحسن، عن اُمّه فاطمة بنت الحسين(عليهما السلام)، قالت: لمّا اشتدّ بفاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)الوجع وثقلت في علّتها اجتمع عندها نساء من نساء المهاجرين والأنصار، فقلن لها: كيف أصبحت يا بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) ؟

 

قالت: «واللهِ أصبحت عائفةً لدنياكم، قاليةً لرجالكم...» وذكر الحديث نحوه. وقال: وإن لم يكن فيه ذكر فدك والميراث إلاّ أ نّه من تتمّة ذلك، وفيه إيضاح لما كان عندها وبيان لشدّة غيظها([60]).

 

وابن بابويه بإسناده، عن عبدالله بن الحسن، عن اُمّه فاطمة بنت الحسين(عليهما السلام)، قال: لمّا اشتدّت علّة فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وغلبها الوجع، اجتمع عندها نساء المهاجرين والأنصار فقلن لها: يا بنت رسول الله، كيف أصبحت عن ليلتك؟ فقالت: «أصبحت واللهِ عائفةً لدنياكم، قاليةً لرجالكم...» وذكر الحديث نحوه([61]).

 

والشيخ الطوسي بإسناده، عن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: دخلن نسوة من المهاجرين والأنصار على فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) يَعُدنَها في علّتها، فقلن لها: السلام عليك يا بنت رسول الله، كيف أصبحت؟ فقالت: «أصبحت واللهِ عائفةً لدنياكنّ، قاليةً لرجالكنّ... إلى آخره([62]).

 

ومحمد بن جرير الطبري بإسناده، عن أبي عبدالله جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن الحسين(عليهم السلام)، قال: لمّا رجعت فاطمة إلى منزلها وشكت، وتوفّيت في تلك الشكاية دخلن عليها نساء المهاجرين والأنصار عائدات، فقلن لها: كيف أصبحت يا بنت رسول الله؟ فقالت: «أصبحت واللهِ عائفةً لدنياكنّ، قاليةً لرجالكنّ...» وذكر الحديث نحوه([63]).

 

وعليّ بن عيسى الإربلي، عن كتاب السقيفة لأبي بكر أحمد بن عبدالعزيز الجوهري، عن رجاله، عن عبدالله بن الحسن، عن اُمّه فاطمة بنت الحسين(عليهما السلام)قالت: لمّا اشتدّ بفاطمة(عليها السلام) الوجع واشتدّت علّتها اجتمعت عندها نساء المهاجرين والأنصار، فقلن لها: يا بنت رسول الله، كيف أصبحت عن ليلتك؟ قالت: «أصبحت واللهِ عائفةً لدنياكم، قاليةً لرجالكم...» وذكر الخطبة إلى آخرها([64]).

 

 

 

 

 

--------------------------------------------------------------------------------

 

[1] . ويروى: يا حبيبة رسول الله، أغضبناك في ميراثك منه وفي زوجك. فقالت: ما بالك يرثك أهلك ولا نرث محمداً؟ فقال: والله إنّ قرابة... إلى آخره. (عن هامش المصدر).

 

[2] . راجع ص 467 بشأن أنّ هذا الحديث موضوع، وأنّ أبا بكر افتراه على رسول الله(صلى الله عليه وآله)،وأ نّه مخالف للكتاب والسنّة النبويّة.

 

[3] . الإمامة والسياسة: 1/13 ـ 14، الإمام عليّ لعبدالفتّاح عبدالمقصود: 1/228 ـ 231.

 

[4] . أخرجه البخاري في صحيحه: 2/308، باب فرض الخمس.

 

[5] . صحيح البخاري: 2/186، باب فرض الخمس.

 

[6] . الصواعق المحرقة: 175، والآية: 57 من سورة الأحزاب.

 

[7] . بحار الأنوار: 29/157/32، عن مصباح الأنوار.

 

[8] . لسان العرب: 13/12: الْماتّةُ: «الحرمة والوسيلة». وكأنّ المراد: هل راعيت لنا حرمةً، أو حملت الناس على رقابنا؟!

 

[9] . بحار الأنوار: 29/158/33، عن مصباح الأنوار.

 

[10] . السخيمة: الحِقد والضَغينة والمَوجِدة في النفس والغضب. لسان العرب: 6/205 (مادة سخم).

 

[11] . كتاب سليم بن قيس: 2/862/48.

 

[12] . بحار الأنوار: 29/158/34، عن مصباح الأنوار.

 

[13] . علل الشرائع: 1/220، باب 147 ح1، بحار الأنوار: 43/202/31.

 

[14] . الكَمَد بالتحريك: الحزن المكتوم. والكمد: هَمّ وحزن لا يستطاع إمضاؤه. لسان العرب: 12/155 (مادة كمد).

 

[15] . ترات: وتر فلان فلاناً ترة: أصابه بظلم أو مكروه.

 

[16] . الشآبيب: جمع شؤبوب، وهو الدفعة من المطر وغيره. لسان العرب: 7/5 (مادة شأب).

 

[17] . البحار: 43/156/5، عن المناقب: 2/234.

 

[18] . بحار الأنوار: 43/209/38، عن أمالي المفيد.

 

[19] . العَجْم: العضّ، يقال: عَجَمْتُ الرجل إذا خَبَرْتَه، وعجمت العود إذا غضضته، لتنظر أصلب هو أم رخو؟ لسان العرب: 9/70 (مادة عَجْم).

 

[20] . سبرت الجرح سبراً من باب قتل: تعرّفت عمقه. مجمع البحرين: 3/322 (مادة سبر).

 

[21] . الفل: الثلمة في حدّ السيف، والفل أيضاً الرجل المنهزم. لسان العرب: 10/324 (مادة فلل).

 

[22] . الصفاة: صخرة ملساء، وقيل: الصفاة: الحجر الصلد الضخم الذي لاينبت شيئاً. لسان العرب: 7/371 (مادة صفا).

 

[23] . الصدع: الشق في الشيء الصلب. لسان العرب: 7/302 (مادة صدع).

 

[24] . القناة: الرمح.

 

[25] . يقال: ختل في رأيه ومنطقه: أخطأ. المصباح: 1/211 (مادة ختل).

 

[26] . الربق: حبل فيه عدّة عرى تشدّ به البهم. لسان العرب: 5/123 (مادة ربق).

 

[27] . الأوق: الثقل، وأوّقته تأويقاً أي حمّلته المشقّة والمكروه. لسان العرب: 1/263 (مادة أوق).

 

[28] . الشنّ: الصبّ المتقطع. والسنّ: الصبّ المتصل، وشنّ عليهم الغارة: صبّها وبثّها وفرّقها من كلّ وجه. لسان العرب: 7/219 (مادة شنن).

 

[29] . الجدع: القطع، جدعت الأنف: قطعته، وكذا الاُذُن واليد والشفة. المصباح: 1/115.

 

[30] . عقره: جرحه، عقر الفرس والبعير بالسيف عقراً: قطع قوائمه. لسان العرب: 9/313 (عقر).

 

[31] . الطَبَنُ بالتحريك: الفِطنَة. لسان العرب: 8/125 (مادة طبن)، والطَبين: الفَطِن.

 

[32] . نَمِرَ الرجل ونمّرَ وتَنَمّرَ: غضب. لسان العرب: 14/290 (مادة نمر).

 

[33] . سجح ـ وزن عنق وقفل ـ : اللين والسهل. لسان العرب: 6/174 (مادة سجح).

 

[34] . الكلم: الجرح. المصباح: 2/230. والخشاش: عود يجعل في عظم أنف البعير. المصباح: 1/206 (مادة كلم).

 

[35] . النمير ـ كأمير ـ من الماء الناجع عذباً، أو غير عذب. وعن الصحاح: أي السائغ شرابه حلواً كان أو غير حلو. الصحاح: 2/838 (مادة نمر).

 

[36] . طفح الإناء والنهر: امتلأ وارتفع حتى يفيض. لسان العرب: 8/171 (طفح).

 

[37] . وفي حديث: «الدنيا عيشها رنق» أي كدر. الرنق: تراب في الماء من القذى ونحوه، رنِق الماء وترنّق: كدر. لسان العرب: 5/333 (مادة رنق).

 

[38] . الطائل: النفع والفائدة. والنائل: العطاء. لسان العرب: 8/230 (مادة طول).

 

[39] . الأعراف: 96.

 

[40] . احتنك الجراد الأرض: أي أكل ما عليها وأتى على نبتها. لسان العرب: 3/365 (مادة حنك).

 

[41] . الذنابي: ذنب الطائر، وأذناب الناس: أتباعهم وسفلتهم دون الرؤساء. لسان العرب: 5/62 (مادة: ذنب).

 

[42] . القوادم: أربع أو عشر ريشات في مقدّم الجناح، الواحدة القادمة. الصحاح: 5/2007 (مادة قدم).

 

[43] . عَجْزُ الشيء وعِجْزُهُ وعُجْزُهُ: آخره. لسان العرب: 9/58 (مادة عجز). والكاهل: مقدّم أعلى الظهر ممّا يلي العنق. لسان العرب: 12/179 (مادة كهل).

 

[44] . المعطس: الأنف، لأنّ العُطاس منه يخرج. لسان العرب: 9/267 (مادة عطس).

 

[45] . الكهف: 104.

 

[46] . البقرة: 12.

 

[47] . يونس: 35.

 

[48] . القعب: القدح الضخم، وقيل: قدح من خشب مقعّر. لسان العرب: 11/235 (مادة قعب).

 

[49] . الغِبُّ بالكسر: عاقبة الشيء، والمَغَبَّة بالفتح مثله. مجمع البحرين: 2/130 (مادة غبب).

 

[50] . الجأش: جأش القلب، وهو رَواعُهُ إذا اضطرب عند الفزع، ويقال: فلان رابط الجأش: أي ربط نفسه عن الفِرار لشجاعته. مجمع البحرين: 4/132 (مادة جأش).

 

[51] . أي ظالم.

 

[52] . الهرج: الفتنة والاختلاط. لسان العرب: 15/69 (مادة هرج).

 

[53] . الفيء: الخراج والغنيمة. لسان العرب: 10/361 (مادة فيأ).

 

[54] . حُصدوا بالسيف والموت كما يحصد الزرع: فلم يبق منهم بقية. مجمع البحرين: 3/37 (مادة حصد).

 

[55] . عَمِيَ عليه الأمر: التبس. لسان العرب: 9/413 (مادة عمي).

 

[56] . هود: 28.

 

[57] . عذر في الأمر تعذيراً: أي قصّر ولم يجتهد، فاعتذر بغير عذر.

 

[58] . الاحتجاج: 1/286 - 292.

 

[59] . بلاغات النساء: 19.

 

[60] . شرح النهج: 16/360.

 

[61] . معاني الأخبار: 354/1.

 

[62] . أمالي الطوسي: 374/804.

 

[63] . دلائل الإمامة: 41.

[64] . كشف الغمّة: 1/464.

التعليقات
إرسال تعليق
اشترك في النشرة الإخبارية
انقر لاستلام النشرة الخبریة .
أحدث المعلومات التي تحتاج إلى معرفتها

تابعونا على غوغل بنقرة على زر +1