التقية في الأحكام عند السنة
أفتى القرطبي المالكي بجواز التقية في شرب الخمر ( 1 ) ، وقالت الحنفية : تجوز التقية إذا كان الإقدام على الفعل أولى من الترك ، وقد تجب إذا صار بالترك آثما ، كما لو أكره على أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزير ، أو شرب الخمرة ...
تاريخ النشر : 2014/12/22 - الإثنين 01 ربيع الأول 1436
رقم الخبر : 37

 

 

1- جواز التقية في حكم الأطعمة والأشربة المحرمة :

أفتى القرطبي المالكي بجواز التقية في شرب الخمر ( 1 ) ، وقالت الحنفية : تجوز التقية إذا كان الإقدام على الفعل أولى من الترك ، وقد تجب إذا صار بالترك آثما ، كما لو أكره على أكل لحم الميتة أو أكل لحم الخنزير ، أو شرب الخمرة ( 2 ) .
وهذه المحرمات المذكورة تجوز كلها إن كان المتقي بإتيانها مكرها عليها بغير القتل ، وأما لو كان الإكراه عليها بالقتل ، فقد صرح الشافعية بوجوبها ( 3 ) .
وقال ابن حزم الظاهري : فمن أكره على شرب الخمر أو أكل الخنزير أو الميتة أو الدم أو بعض المحرمات ، أو أكل مال مسلم أو ذمي ، فمباح له أن يأكل ويشرب ولا شئ عليه لا حد ولا ضمان ( 4 ) .
وقد عرفت أن التقية في شرب الخمر ممنوعة عند فقهاء الشيعة ما لم يصل الإكراه إلى حد القتل .

2- جوازها في الزنا :

إذا أكره الرجل على ارتكاب هذه الجريمة ، واتقى على نفسه بارتكابها فهل يسقط الحد عليه أو لا ؟
اختلفوا على قولين :
أحدهما : سقوط الحد عنه ، وهو قول القرطبي المالكي ، وابن العربي المالكي ، والفرغاني الحنفي ، وابن قدامة الحنبلي ، وابن حزم (، وقال أبو حنيفة : يسقط الحد إن كان الإكراه من السلطان ، وإلا حد استحسانا ( 5 ) .
والآخر : إقامة الحد على الزاني تقية ويغرم مهرها ، وهو قول مالك بن أنس ، والشافعي ، وقال أبو حنيفة لا يجب المهر. وأما لو استكرهت المرأة على الزنا ، فلا حد عليها ، قولا واحدا ( 6 ) .

3- جوازها في الدماء :

تقدم أن أهل البيت عليهم السلام صرحوا بأن التقية إنما شرعت لحقن الدم ، وإنه إذا بلغت التقية الدم فلا تقية ، وبهذا أفتى فقهاء الشيعة اقتداء بأهل البيت عليهم السلام . وقد وافقهم على هذا من فقهاء العامة مالك بن أنس ( 7 ) . وهو ظاهر المذهب المالكي ، قال ابن العربي المالكي : قال علماؤنا :
المكره على إتلاف المال يلزمه الغرم ، وكذلك المكره على قتل الغير يلزمه القتل ( 8 ) . وهو أحد قولي الشافعي ( 9 ) .
وخالف بذلك أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف . فقال أبو حنيفة : يصح الإكراه على القتل ، ولكن يجب القصاص على المكره ، دون المأمور .
وقال أبو يوسف : يصح الإكراه على القتل ولا يجب القصاص على أحد ، وكان على الآمر دية المقتول في ماله في ثلاث سنين ( 10 ) !
واعترف بهذا الكاساني الحنفي ، قائلا : والمكره على القتل لا قصاص عليه عند أبي حنيفة وصاحبه محمد ، ولكن يعزر القاتل ، ويجب القصاص على المكره .
وعند أبي يوسف لا يجب القصاص لا على المكره ولا على المكره ، وإنما تجب الدية على الأول ( 11 ) .
وقد اعتذر السرخسي الحنفي عن أبي يوسف عن فتياه العجيبة هذه ، فقال : وكان هذا القول لم يكن في السلف ، وإنما سبق به أبو يوسف واستحسنه ( 12 ) .
ومن فروع هذه المسألة عند أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن الشيباني ، أنه يجوز للرجل أن يتقي في قتل أبيه ، ولا يحرم من ميراثه .
قال الفرغاني الحنفي : لو أكره الرجل على قتل موروثه بوعيد قتل فقتل ، لا يحرم القاتل من الميراث ، وله أن يقتل المكره قصاصا لموروثه في قول أبي حنيفة ومحمد والخلاصة ، إن المذهب الحنفي يجوز التقية في الدماء ! ! وهو أحد قولي الشافعي (13)

4- جوازها في قطع الأعضاء :

تصح التقية في قطع أعضاء الإنسان ، ولا قصاص في ذلك لا على الآمر ولا على المأمور ، بل تجب الدية عليهما معا من مالهما عند أبي يوسف (14)
والأعجب من كل هذا ، جوازها في قطع الأعضاء تبرعا من غير اضطرار أو إكراه ! ! ! إنه لو أكره السلطان رجلا على أن يقطع يد رجل فقطعها ، ثم قطع يده الأخرى ، أو رجله تطوعا من غير إكراه من السلطان ، وإنما قطعها اختيارا ، فهل يجب عليه القصاص فيما قطعه مختارا أو لا ؟ الجواب : لا قصاص عليه ، ولا على السلطان ، بل تجب عليهما الدية من مالهما عند أبي يوسف(15)

5- جوازها في هتك الأعراض ! ! :

ومن فتاوى العامة المخجلة حقا تجويزهم التقية على الإنسان في هتك عرضه وشرفه وناموسه ، وعليه أن يقف ذليلا وبكل نذالة وهو يرى الاعتداء على شرفه ولا يدفع عنه شيئا ! ففي الجامع لأحكام القرآن للقرطبي المالكي أنه إذا أكره الإنسان على تسليم أهله لما لا يحل ، أسلمها ، ولم يقتل نفسه دونها ، ولا أحتمل أذية في تخليصها ( 16)

6- جوازها في قذف المحصنات :

تجوز التقية في قذف المحصنات عند الجصاص الحنفي ( 17 ) ، وقد زاد على ذلك السرخسي ، جواز الافتراء على المسلم تقية (18)

7- جوازها في إتلاف مال المسلم :

جوز الحنفية والشافعية وغيرهم التقية في إتلاف مال المسلم لمن يكره على ذلك ، ولا ضمان عليه وإنما الضمان على من أكرهه (19)
وقد قيد بعضهم مثل هذه التقية في حالة كون الإكراه عليها بالقتل وهو ما يسمونه بالإكراه الملجئ الذي يكون معتبرا في التصرفات القولية والفعلية ، وفي مثل هذا الحال يكون الضمان على المكره ، وأما لو كان الإكراه غير ملجئ وهو ما كان التهديد فيه بما دون القتل فللمكره أن يتقي في المثال أيضا بشرط الضمان . أنظر : شرح المجلة / سليم رشيد الباز : 560 المادة 1007 ط دار إحياء التراث العربي : بيروت .
وأطلق الإمام الزيدي أحمد بن يحيى بن المرتضى القول بإباحة مال الغير بشرط الضمان في حال التقية ( 20)

8- جوازها في شهادة الزور :

صرح السيوطي الشافعي بجواز شهادة الزور عند الإكراه عليها ، فيما لو كانت تلك الشهادة في إتلاف الأموال ( 21)
كلمة أخيرة عن سعة التقية في فقه المذاهب الأربعة : لقد تركنا الكثير جدا من المسائل التي جوز فيها فقهاء العامة التقية بغية للاختصار ، كتجويزهم التقية مثلا في : الصدقة ، والإقرار ، والنكاح ، والإجارة ، والمباراة ، والكفالة ، والشفقة ، والعهود ، والتدبير ، والرجعة - بعد الطلاق - والظهار ، والنذر ، والايلاء ، والسرقة ، وغيرها من الفروع الشرعية ( 22) ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات .
ومن هنا قال المالكية : الإكراه ، إذا وقع على فروع الشريعة لا يؤخذ المكره بشئ ( 23)
وأوسع من هذا المعنى ما صرح به موسى جار الله التركماني بقوله : والتقية هي : وقاية النفس من اللائمة والعقوبة ، وهي بهذا المعنى من الدين ، جائزة في كل شئ (5)
وقال أيضا : التقية في سبيل حفظ حياته ، وشرفه ، وحفظ ماله ، وفي حمايته ، حق من حقوقه واجبة على كل أحد إماما كان أو غيره .
وبهذا وغيره مما مر في فصول هذا البحث يتضح أنه لا مجال لأحد في النقاش بمشروعية التقية في الإسلام ، ولا مجال لإنكارها بحال من الأحوال ، وأن إنكارها مرض طبعت عليه قلوب المنافقين .
المصادر :
1- الجامع لأحكام القرآن 10 : 180
2- فتاوى قاضيخان 5 : 489 . وانظر : أحكام القرآن / الجصاص الحنفي 1 : 127 . والمبسوط / السرخسي 24 : 48 وما بعدها . وبدائع الصنائع 7 : 175 وما بعدها
3- التفسير الكبير / الفخر الرازي الشافعي 20 : 121
4- المحلى / ابن حزم 8 : 330 مسألة : 1404
5- الجامع لأحكام القرآن 10 : 180 .أحكام القرآن / ابن العربي 3 : 1177 / 1182 .بدائع الصنائع 7 : 175 - 191 .المغني / ابن قدامة 5 : 412 مسألة : 3971 . المحلى 8 : 331 مسألة 1405 .بدائع الصنائع 7 : 175 - 191 .
6- المغني / ابن قدامة 10 : 155 مسألة 7167 . / البحر الزخار 6 : 100
7- تفسير بن جزي الكلبي المالكي : 366
8- أحكام القرآن / ابن العربي 3 : 1298
9- التفسير الكبير / الرازي الشافعي 20 : 121
10- فتاوى قاضيخان 5 : 484 . وانظر : الفرائد البهية في القواعد والفوائد الفقهية / مفتي الشام محمود حمزة : 219 ، ط 1 ، دار الفكر ، دمشق / 1406 ه‍
11- بدائع الصنائع 7 : 175 - 191 . وكذلك مجمع الأنهر 2 : 431 - 433
12- المبسوط / السرخسي 24 : 45
13- فتاوى قاضيخان 5 : 489
14- التفسير الكبير / الرازي 20 : 121
15- فتاوى قاضيخان 5 : 486
16- الجامع لأحكام القرآن / القرطبي المالكي 10 : 180 وما بعدها في تفسيره الآية 106 من سورة النحل
17- أحكام القرآن / الجصاص الحنفي 1 : 127
18- المبسوط / السرخسي 24 : 48
19- مجمع الأنهر 2 : 431 - 433 . والأشباه والنظائر / السيوطي الشافعي 207 - 208 . والسيل الجرار على حدائق الأزهار / الشوكاني 4 : 265
20- البحر الزخار 6 : 100
21- الأشباه والنظائر / السيوطي : 207 - 208
22- بدائع الصنائع 7 : 175 - 191 . والمحلى 8 : 331 - 335 مسألة : 1406 وغيرهما مما ذكرناه من مصادر الفقه العامي
23- أحكام القرآن / ابن العربي 3 : 1177 / 1182
24- الوشيعة في نقد عقائد الشيعة / موسى جار الله : 72 ، ط 1 ، مطبعة الشرق ، مصر / 1355 ه‍

التعليقات
إرسال تعليق
اشترك في النشرة الإخبارية
انقر لاستلام النشرة الخبریة .
أحدث المعلومات التي تحتاج إلى معرفتها

تابعونا على غوغل بنقرة على زر +1