مناظرة مع أكابر علماء في عصمة أهل البيت :القسم الاول
الحديث الذي أداره مندوب الاِيمان مع سماحة العلامة الكبير السيد محمد تقي الحكيم عميد كلية الفقه بالوكالة، على أثر عودته من القاهرة بعد حضوره مؤتمر البحوث الاِسلامية.
تاريخ النشر : 2015/10/7 - الأربعاء 24 ذو الحجة 1436
عدد الزيارات : 205
رقم الخبر : 2443

 

الحديث الذي أداره مندوب الاِيمان مع سماحة العلامة الكبير السيد محمد تقي الحكيم عميد كلية الفقه بالوكالة، على أثر عودته من القاهرة بعد حضوره مؤتمر البحوث الاِسلامية.

س ـ في الندوات التي حضرتموها في مصر وأثيرت معكم ، فيها أحاديث حول التشيع ، ذكرتم عدة مواضيع أحب الكثير من قراء (الاِيمان) الوقوف على طبيعة ما أثير حولها من حديث ، ومنها ما يتصل بعصمة أهل البيت فهل تتذكرون أين دار الحديث عنها وكيف؟

ج ـ إن الذي أتذكره أن أهم الاَحاديث التي دارت حولها كانت في الاِسكندرية (2) ، وفي ندوة الاُمناء في القاهرة (3) ، في الاُمسية التي اعتادت إحياءها في ليلة الاَحد من كل اُسبوع ، حيث يحضرها شيخ الاُمناء الاَستاذ أمين الخولي وتلامذته لمناقشة بعض القضايا، وقد دعينا من قبل بعض الاِخوان المصريين لحضورها ، واقتصر الحديث عند حضورنا أو كاد على قضايا التشيّع ، وأخذ منها حديث العصمة وقتاً كبيراً ، وقد صحبنا إليها من الاِخوان المصريين واللبنانيين العلامة الكبير الشيخ محمود أبو رية ، والدكتور حامد حفني داود ، والاُستاذ الشيخ عبدالفتاح بركة ، والاُستاذ الشيخ عبدالحميد الحر.

وطبيعة الحديث الذي دار في الاِسكندرية وفي ندوة الاُمناء وغيرها كان متشابه الخطوط بحكم وحدة الموضوع وتشابه الاَسئلة ، لذلك أوثر أن أعطي خلاصة لكل ما دار فيها ، مع ضم بعضه إلى بعض ، دون حاجة إلى تكرار الحديث بعد ذلك عنها.

وكان ممن حضر ندوة الاِسكندرية من أعضاء المؤتمر بعض العلماء الجزائريين والسودانيين والليبيين والمصريين والاَردنيين والصوماليين.

وكان مبعث الحديث عنها ، السؤال الذي وجهه فضيلة الشيخ الجيلالي الفارسي مندوب الجزائر ، وهو من أكابر العلماء الذين التقيتهم في المؤتمر ، ومن أوسعهم معرفة في الشؤون العقائدية ، وقد وهب ملكة بيانية قل نظيرها فيمن رأيت.

قال الشيخ الجزائري ـ وهو يُمهد للسؤال ـ : يسرني أن أحظى بشرف التعرف على إخوان من علماء الشيعة ، طالما تشوقت إلى لقاء امثالهم للاتصال بهم، ومعرفة واقع ما يبلغنا عن عقائدهم ، فإذا سمحتم بتوجيه بعض الاَسئلة عن جملة مما يبلغنا عن الشيعة لاَقرارها ، أو تصحيح أفكارنا عنها أكون شاكراً.

قلت: يسرني ذلك ، وأرجو أن أكون صريحاً في الجواب عليها ، ولك عليِّ أن لا أتطفل على الدخول فيما لا أملك القول فيه ، وأرجع معك ـ إذا شئت ـ فيما أجهله إلى من هم أكثر مني تخصصاً في مبادىء التشيع ، من أساتذة معاهد النجف ومراجع الاُمة فيها.

فأومأ برأسه ـ شاكراً ـ ثم بدأ الحديث بهذا السؤال: هل من الصحيح ما يبلغنا عن إخواننا الشيعة من أنهم ينسبون العصمة إلى أهل البيت عليهم السلام كالنبي صلى الله عليه وآله على حد سواء.

قلت ـ وقد تركزت عليَّ عيون الملتفين حول مائدة الطعام ، وكنا على المائدة ، وقد أهمهم فيما يبدو هذا السؤال ، وربما كان فيهم من يحاول توجيهه ويتحاشى الاِحراج ـ : نعم نؤمن بذلك.

قال: وقد بدا على صوته شيء من التهدج والاستنكار: وكيف وما هي أدلتكم على ذلك؟!

قلت ـ مبتسماً ، وقد أوشكنا على الانتهاء من الطعام ـ : لا أظنك يا سيدي تكتفي مني بالجواب الاِجمالي على مثل هذه المسألة الدقيقة ، ومثلك من لايكتفي بهذا الجواب ، أفلا ترى أن نؤجل الحديث عنها إلى جلسة أطول ، ليتسع فيها مجال الحديث.

قال: معك حق.

ونهضنا عن المائدة ، وقبل أن نتفرق قال : ألا نذهب إلى (كافتريا) الفندق لنأخذ كوباً من الشاي ، ونتمتع بمنظر البحر الجميل؟ وكانت المقهى مطلة عليه وجميلة جداً، وقبل أن يسمع الجواب أخذ بيدي وتبعنا بقية الاِخوان ، وتحلقنا حول مائدة مستديرة فيها ، وطلبوا لنا الشاي ، ثم التفت إليَّ وقال: إن في هذا المكان الهادىء الجميل متسعاً للحديث ، وبخاصة وأنّ أمامنا من الوقت عدة ساعات لم يسبق أن شغلت بموعد من قبل إخواننا المضيفين ، وإنما تركوا لنا فيها حرية قضائها كيف نشاء.

قلت ـ وقد رفعت كوب الشاي إلى فمي ـ : إن الاستدلال على عصمة أهل البيت عليهم السلام لا يمكن أن يُستوفى بجلسة واحدة ، مهما طال أمدها ، لكثرة ما ساقوه عليها من الاَدلة التي استغرق بحثها لدى بعض المؤلفين مئات الصفحات ، وكتب فيها عشرات المؤلفات، ولكن نأخذ منها ما يتسع له الوقت أخذاً بقاعدة الميسور، ولكم جميعاً حرية المناقشة فيما نعرضه من أدلة ، واظن أن صدورنا جميعاً مما تتسع لها للموضوعية التي أعهدها في إخواني العلماء.

وإذا سمحت ـ يا سيدي السائل ـ وجهت إليك ببعض الاَسئلة تمهيداً للجواب ـ عسى أن نتفق على الاَوليات ـ ماذا تريد من كلمة العصمة التي أثبتّها للنبي صلى الله عليه وآله واستكثرتها على أهل البيت : كما تنطوي عليه صيغة سؤالك؟

قال: أريد بالعصمة استحالة صدور الخطأ أو السهو أو النسيان أو الكذب أو أي ذنب عليه ما دام في مقام التبليغ.

قلت: طبعاً تريد بالاستحالة هنا الاستحالة العادية لا العقلية.

قال: طبعاً.

قلت: ولكن الشيعة يا سيدي ـ أو جل علمائهم على الاَقل ـ يوسعون في مفهومها إلى غير مقام التشريع ، وربما أوضحنا وجهة نظرهم في ثنايا الحديث ، ولا يهم الفصل فعلاً في هذه التوسعة ، إذ يكفينا لسد حاجتنا الفعلية أن نؤمن بها في خصوص مقام التبليغ.

ولكن ، هل تسمح لي بسؤال آخر: ما هي الضرورة التي تدعو إلى الاِيمان بعصمة النبي صلى الله عليه وآله حتى بهذا المقدار؟

قال: الاِيمان بالعصمة هو الذي يولد اليقين بكون ما يأتي به إنما هو من عند الله عزوجل ، ومع تجويز الكذب والسهو والنسيان والغفلة عليه لا يبقى موضع ليقين في حكاية ما يبلغه عن الواقع ، ومع دخول التشكيك يسقط اعتبار النبوة من الاَساس.

قلت ـ واسمحو الي أن استطرد قليلاً بهذا السؤال ـ : وهل كان يفرق الرأي العام في صدر الاِسلام بين نوعين من السهو والكذب ، مثلاً أحدهما يقع في غير مجالات التشريع فيسوغونه ، والآخر في مجالاته فيحضرونه عليه، وهل كان حكم العقل لديهم واضحاً في التفرقة إلى هذه الدرجة؟!

قال أحدهم : وماذا تريد بهذا الكلام؟!

قلت: أريد أن أكتشف ـ من اطمئنانهم ـ وهو ما كان واقعاً فعلاً ـ إلى جميع ما يبلغه النبي صلى الله عليه وآله انسجام واقعه السلوكي في مختلف مجالاته ـ تشريعية وغير تشريعية ـ فهو لا يكذب ولا يسهو ولا يغفل ولا ينسى في جميع المجالات، وإلا لما أمكن اطمئنانهم إليه في مقام التشريع، وهم يرونه عرضة لجميع هذه المفارقات في غير مقامه، فالاطمئنان ـ وهو حالة نفسية ـ لا يمكن أن يفرق بين نوعين من الاَحداث المتشابهة ، فينبعث عن أحدهما ولا ينبعث عن الاخر ، وكذلك العلم واليقين، فإيمان الشيعة بتعميم مفهوم العصمة إلى مختلف المجالات هو الذي ينسجم مع الواقع النفسي لنوع الناس، وعلى هذا الواقع يبتني حكم العقل بلزوم العصمة ، لاَن الغرض منها تحصيل اليقين بكل ما يأتي به ، ولا يحصل اليقين من شخص يراه مجتمعه عرضة للوقوع في أمثال تلكم المفارقات، على أن إثبات ذلك كما قلنا ليس له تلك الاَهمية بالنسبة إلينا فعلاً، وحسبنا أن نتفق على هذا الجزء من العصمة ـ أعني امتناع صدور الكذب والسهو والغفلة وغيرها من منافيات العصمة عليه في مقام التشريع ـ فهو يكفينا في مجال التمهيد للجواب عن عصمة أهل البيت.

وسؤال آخر : ما هي مصادر التشريع التي تؤمنون بها؟

قال: كثيرة وأهمها الكتاب والسنة.

قلت: أما الكتاب فهو ليس موضعاً لحديث ، لاَنه جمع ودوّن وحفظ على عهد النبي صلى الله عليه وآله وعقيدة المسلمين جميعاً أن ما بين الدفتين هو الكتاب المنزل قرآناً لم يزد ولم ينقص فيه ، فجعله مصدراً تشريعياً يرجع إليه في كل زمان ومكان أمر طبيعي جداً ، ولكن ماذا يراد بالسنة؟

قال: السنة هي قول النبي صلى الله عليه وآله وفعله وتقريره.

قلت: وهذا ما تعتقده الشيعة أيضاً ، ولكن هل استطيع أن أسألك عن اسلوبه صلى الله عليه وآله في التبليغ كيف كان ، وهل كان يعتمد القرائن المنفصلة ، كاستعمال المخصصات والمقيدات لعموماته ومطلقاته ، والناسخ لبعض ما انتهى أمد مصلحته من أحكامه.

قال: طبعاً : وما أكثر ما يأتي العام في الشريعة ، ثم يأتي بعد ذلك مخصصه ويأتي المطلق ثم يقيد بعد ذلك ، وهكذا.

قلت: وهذا ما نعتقده أيضاً ، وهي الطريقة التي يعتمدها الناس في أساليب تفاهمهم ، ولو كانت له طريقة خاصة تخالف ما ألفوه لوصلت إلينا عادته وطريقته في التبليغ كيف كانت؟ أكان يجمع الناس جميعاً عندما يريد أن يقول أو يفعل أو يقر أمراً يتصل بشؤون التشريع؟ وهل من الممكن له ذلك؟ وإذا أمكن أن نتصوره عندما يريد أن يبلغ من طريق القول ، فهل يمكننا تصوره عند الفعل أو الاِقرار؟ أي إذا أراد أن يفعل شيئاً ، أو يقر جمع الناس كلهم ، ففعل ما يريد فعله أو أقر ما يريد إقراره أمام الجميع ، ستقول بالطبع: لا ، وإنما كان يبلغ على الطرق المتعارفة، كأن يصدر الحكم أمام فرد أو فردين ، وهؤلاء يكونون الواسطة في التبليغ ، وعلى من لم يحضر أن يفحص عما يجد من الاَحكام.

وهنا ذكرت مضمون كلام لابن حزم ، أوثر الآن أن أنقله هنا بنصه لقيمته يقول ابن حزم وهو يتناول هذه الناحية من التشريع : ولا خلاف بين كل ذي علم بشيء من أخبار الدنيا ، مؤمنهم وكافرهم ، أن النبي صلى الله عليه وآله كان بالمدينة وأصحابه رضي الله عنهم مشاغيل في المعاش ، وتعذر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز، وأنه صلى الله عليه وآله كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضره من أصحابه فقط ، وأن الحجة إنما قامت على سائر من لم يحضره صلى الله عليه وآله بنقل من حضره ، وهم واحد أو اثنان ويقول أيضاً: « وبالضرورة نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن إذا أفتى بالفتيا أو إذا حكم حكم بالحكم يجمع لذلك جميع من بالمدينة هذا ما لا شك فيه ، لكنه صلى الله عليه وآله كان يقتصر على من بحضرته ويرى أن الحجة بمن يحضره قائمة على من غاب، هذا ما لا يقدر على دفعه ذو حس سليم » (4) .

ثم قلت: وإذا كان حساب السنة هو هذا ، سواء من حيث الاعتماد على القرائن المنفصلة ، أو من حيث اُسلوب تبليغها ، وهي لم تدوّن على عهده أو عهود الخلفاء من بعده ، فهل يمكن اعتبارها مصدراً تشريعياً يجب الرجوع إليه؟

قال أحدهم : ولِمَ ، ألمْ يجعلها القرآن من مصادر التشريع؟ ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) (5) ( وما ينطق عن الهوى ) (6) الآية.

قلت: لا أشك في ذلك، ومن ينكر حجيتها فهو ليس بمسلم ، لاِنكاره أهم الضروريات الاِسلامية ، ولكن اسألك ماذا يصنع من يحتاج إلى معرفة حكم لم يجده في كتاب الله.

قال: يرجع إلى النبي صلى الله عليه وآله لاستفساره عنه.

قلت: وبعد وفاته.

قال: يرجع إلى صحابته.

قلت: هب أنه وجد عاماً عند أحد الصحابة ، واحتمل أن يكون له مخصص عند غيره ، أو وجد حكماً واحتمل نسخه ، أو مطلقاً واحتمل تقييده ، فماذا يصنع إذ ذاك؟

قال: عليه الفحص من قبل بقية الصحابة.

قلت: كيف؟ والصحابة مشتتون أيظل هذا السائل ـ وافترضه ممن دخل الاِسلام جديداً ـ يبحث عنهم حتى يستوعبهم فحصاً ، وفيهم من هو في الحدود يحمي الثغور، وفيهم الحكام والولاة في البلاد المفتوحة بعيداً عن الحجاز، وفيهم المشتتون في قرى الحجاز وأريافها، وربما أنهى عمره قبل أن يصل إلى ما يريد؟!

وبعد عصر الصحابة ماذا يصنع الناس.

قال: يرجعون إلى مَنْ أخذ عن الصحابة من التابعين!

قلت: إذا امتنع استيعاب الفحص عن الصحابة مع قلتهم نسبياً ، فهل يمكن ذلك بالنسبة إلى من أخذ عنهم ، وهم أضعاف مضاعفة ، وكثير منهم مجهول، وإذا جاز ذلك في عصر التابعين ، فهل يجوز في العصور المتأخرة عنهم وكيف؟

ألا ترى معي ـ يا سيدي ـ أنه ليس من الطبيعي أن يفرض على الاُمة ـ أية أمة ـ مصدر تشريعي يلزمون بالاَخذ به ، وهو غير مجموع ومدوّن ومحدد المفاهيم ليمكن أن تقوم الحجة به عليهم.

ثم هل يمكن لاَية دولة متحضرة أن تعتبر تصرفات أحد حكامها قولاً وفعلاً وتقريراً في مدى حياته قانوناً يجب الرجوع إليه إلى جنب أحد قوانينها المدوّنة ، مع أن هذه الاَقوال والاَفعال والتقريرات لا تقع إلا أمام أفراد محدودين وغير معروفين تفصيلاً ، ولا الاَحاديث التي جرت أمامهم معروفة ، وهم لم يجمعوها بدورهم ولم ينسقوها ، كأن يضعوا إلى جنب العمومات قرائن التخصيص مثلاً وهكذا.

قال: وكيف نلائم إذن ، بين اعتقادنا بلزوم الرجوع إليها ، وبين الواقع الذي تذكره؟

قلت: الصور المتصورة في المسألة اربعة ، نعرضها ونختار أكثرها ملاءمة للواقع العقلي والتأريخي.

الاُولى: أن نسقط السنة عن الحجية ونكتفي بالكتاب ، وفي هذا محق للاِسلام من أساسه ، وأظن أن إخواني العلماء يؤمنون معي أن الكتاب وحده لا ينهض ببيان حكم واحد بجميع ما له من خصوصيات ، فضلاً على استيعاب جميع الاَحكام ، بكل ما لها من أجزاء وشرائط.

الثانية: أن نحمل النبي صلى الله عليه وآله ـ وحاشاه ـ مسؤولية التفريط برسالته بتعريضها للضياع عندما لم يدونها ، أو يأمر الصحابة بالتدوين والتنسيق.

التعليقات
إرسال تعليق
اشترك في النشرة الإخبارية
انقر لاستلام النشرة الخبریة .
أحدث المعلومات التي تحتاج إلى معرفتها