تأملات في مدلول حديث النجوم
و الآن . . . هلّم معي لنرى هل يصح صدور مثل هذا الكلام من رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم ؟ و هل كان جميع الصحابة على خير من بعده ؟ و هل كانوا جميعاً مؤهلين لأن يقتدى بهم ؟ و هل كانوا جميعا هادين حقاً ؟ . . .
تاريخ النشر : 2015/2/15 - الأحد 26 ربيع الثاني 1436
رقم الخبر : 142

 


إذا كان كذلك ، فما معنى قوله تعالى :

﴿ ... أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ... ﴾ 1 .

و قوله تعالى :

﴿ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ﴾ 2 .

و غيرهما من الآيات الكريمة التي تنص على وجود المنافقين بين أصحاب الرسول صلى الله عليه و آله و سلم .

ثم هل يمكن الاعتقاد بأنه صلى الله عليه و آله و سلم كان لا يعلم ما سيقع بعده بين الأمة الإسلامية ؟

كلا . . . ثم كلا . . . إنه صلى الله عليه و آله و سلم كان على علم بجميع ما سيحدث بين أصحابه و أمته إلى يوم القيامة ، لذا وردت الأحاديث الكثيرة التي لا تحصى يخبر فيها عليه و على آله الصلاة و السلام عن القضايا التي سيستقبلها المسلمون .

إنه صلى الله عليه و على آله الطاهرين قال : « ستفترق أمتي على ثلاث و سبعين فرقة . . . » 3 .

**

و هناك أحاديث كثيرة أيضا وردت في خصوص صحابته تفيد سوء حال جم غفير منهم ، و انقلابهم من بعده على أعقابهم ، مرتدين عن الدين راجعين بعده كفارا خاسرين .

منها : قوله صلى الله عليه و آله و سلّم فيما أخرجه البخاري :

« أنا فرطكم على الحوض ، و ليرفعن رجال منكم ، ثم ليختلجن دوني ، فأقول : يا رب أصحابي ، فيقال : إنك لا تدري ما احدثوا بعدك « و في حديث : فاقول : سحقا سحقا لمن غير بعدى » و في بعض الأحاديث : « إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى » 4 .

و منها : قوله صلى الله عليه و آله و سلم لأصحابه :

« لا ترجعوا بعدي كفاراً » 5 .

و منها : قوله صلى الله عليه و آله و سلم :

« الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل » 6 .

. . . إلى غير ذلك من الأحاديث التي رواها القوم عن رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم في ذم الصحابة آحاداً و جماعات ، في موارد كثيرة و مناسبات مختلفة و مواطن عديدة . . .

فكيف يحسن منه سلام الله عليه و آله أن يجعل كلا من هؤلاء نجما يهتدى به و الحال هذه ؟

على أن كثيراً من الصحابة اعترفوا في مناسبات عديدة بالجهل و عدم الدراية و الخطا في الفتيا ، حتى اشتهر عن بعض أكابرهم ذلك . . . و لذا كان باب التخطئة و الرد مفتوحا لدى أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه و على آله ، بل ربما تجاوزت التخطئة حد الاعتدال و بلغت التكذيب و التجهيل و التكفير . . . و تلك قضاياهم مدونة في كتب الآثار .

و هل أعجب من دعوى كون جميعهم نجوما يهتدى بهم و الحال أنه لم تكن لهم هذه المنزلة عند أنفسهم ، كما هو واضح عند من راجع أخبارهم ؟

و أما سب بعضهم بعضا ، و ضرب بعضهم بعضا ، و نفي بعضهم لبعض فقد كان فاشياً فيما بينهم ، بل لقد استباح بعضهم قتل بعض . . .

أما إذا راجعنا أخبار كل واحد من الصحابة و تتبعنا أفعالهم و قضاياهم لعثرنا على أشياء غريبة عن الإسلام ، بعيدة عنه كل البعد ، من شرب للخمر ، و شهادة زور ، و يمين كاذبة ، و فعل للزنا ، و بيع للخمر ، و الأصنام ، و فتيا بغير علم . . . إلى غير ذلك من الكبار المحرمة بأصل الشرع و اجماع المسلمين . . . نشير هنا إلى بعضها باختصار . . .

1 ـ كذب جماعة من مشاهير الصحابة و أعيانهم في قضية الجمل في موضوع ( الحوأب ، و تحريضهم الناس على شهادة الزور كما شهدوا هم ، و القصة مشهورة . . . 7 .

2 ـ قصة خالد بن الوليد و قوم مالك على عهد أبي بكر إذ وقع فيهم قتلا و نهبا و سببا ، ثم نكح امرأة رئيسهم مالك بن نويرة من ليلته بغير عدة ، حتى أنكر عمر بن الخطاب ذلك 8 .

3 ـ زنا المغيرة بن شعبة في قضية هذا مجملها :

إن المغيرة بن شعبة زنا بأم جميل بنت عمر ، و هي امرأة من قيس ، و شهد عليه بذلك : أبو بكرة ، و نافع بن الحارث ، و شبل بن معبد .

و لما جاء الرابع و هو زياد بن سمية ـ أو : زياد بن أبيه ـ ليشهد أفهمه عمر ابن الخطاب رغبته في أن يدلي بشهادته بحيث لا تكون صريحة في الموضوع حتى لا يلحق المغيرة خزي بإقامة الحد عليه ، ثم سأله عما رآه قائلاً :

أرأيته يدخله و يخرجه كالميل في المكحلة .

فقال : لا .

فقال عمر : الله اكبر ، قم يا مغيرة إليهم فاضربهم .

فقام يقيم الحدود على الشهود الثلاثة 9 .

4 ـ بيع سمرة بن جندب الخمر على عهد عمر بن الخطاب ، فقال عمر لما بلغه ذلك :

« قاتل الله فلانا ، باع الخمر . . . ؟ » 10 .

5 ـ بيع معاوية بن أبي سفيان الأصنام ، فقد جاء في ( المبسوط ) ما نصه :

« و ذكر عن مسروق رحمه الله قال : بعث معاوية رحمه الله بتماثيل من صفر تباع بأرض الهند فمر بها على مسروق رحمه الله قال : والله لو أني أعلم أنه يقتلني لغرقتها ، و لكني أخاف أن يعذبني فيفتنني ، والله لا أدري أي الرجلين معاوية :

رجل قد زين له سوء عمله ، أو رجل قد يئس من الآخرة فهو يتمتع في الدنيا . . .» 11 .

6 ـ شرب عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب ( و كنيته أبو شحمة ) الخمر على عهد أبيه في مصر أيام ولاية عمرو بن العاص عليها .

و قد أقام عمر الحد على ولده هذا في المدينة ـ بعد أن طلبه من مصر ـ و قد أقام عمرو الحدّ عليه هناك و هو مريض ثم حبسه أشهر فمات على أثر ذلك 12 .

7 ـ جهل بعض كبار الصحابة بالأحكام الشرعية ، بل بمعاني الألفاظ العربية ، و قوله في ذلك بغير علم .

فقد اشتهر عن أبي بكر أنه لم يعرف معنى« الكلالة » بالرغم من نزولها في القرآن ، و بيان النبي صلى الله عليه و آله و سلّم معناها للأمة ، فقال حينما سئل عنها :

« إنّي رأيت في الكلالة رأياً ، فإن كان صواباً فمن الله وحده لا شريك له ، و إن يكن خطا فمني و الشيطان ، و الله برئ منه . . .» 13 .

8 ـ بيع معاوية بن أبي سفيان الشيء بأكثر من وزنه ، فقد جاء في ( الموطأ ) ما نصه :

« مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار : إن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها ، فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم ينهى عن مثل هذا ، إلا مثلا بمثل ، فقال له معاوية : ما أرى بمثل هذا باسا .

فقال أبو الدرداء : من يعذرني من معاوية ؟ أنا أخبره عن رسول الله صلى الله عليه و سلّم و يخبرني عن رأيه ، لا أساكنك بارض أنت بها » 14 .

9 ـ إقدام زيد بن أرقم على أمر قالت عائشة أنه أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلّم إن لم يتب . . . فقد روى جماعة من المحدّثين و الفقهاء و المفسرين « عن أم يونس : إن عائشة زوج النبي صلى الله عليه و سلّم قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم الأنصاري : يا أم المؤمنين أتعرفين زيد بن أرقم ؟ قالت : نعم ، قالت : فإني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة ، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته منه قبل الأجل بستمائة ، فقالت : بئسما شريت و بئسما اشتريت ، ابلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه و سلم إن لم يتب .

قالت : فقلت أفرأيت إن تركت المائتين و أخذت الستمائة ؟ قالت : فنعم ، من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف » 15 .

10 ـ مؤامرة عائشة و حفصة على زينب بنت جحش ، فقد روي عن عائشة أنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يشرب عسلاً عند زينب بنت جحش و يمكث عندها فتواطأت أنا و حفصة على أن أيتنا دخل عليها . فلتقل له ؛ أكلت مغافير 16 ؟ قال : لا و لكن أشرب عسلاً عند زينب بنت جحش ، فلن أعود له ، لا تخبري بذلك أحدا » 17 .

و الخلاصة : فإن الآيات الكريمة من القرآن الكريم و الأحاديث النبوية ، و كتب التاريخ و الفقه تشهد على بطلان حديث النجوم ، و تدل على أن النبي صلى الله عليه و آله و سلم لا يجيز لنا الاقتداء بكل واحد من صحابته ، لمجرد صحبته و فيهم المنافق و الفاسق و المجرم . . .

فمعنى حديث النجوم دليل آخر على أنه موضوع ، بالإضافة إلى ضعف جميع رواته و طرقه . . .

و قد نص على بطلان هذا الحديث من هذه الناحية جماعة من علماء الحديث كالبزار 18 و ابن القيم 19 و ابن حزم 20 .

نعم . هناك في كتب أهل السنة و مصادرهم المعتبرة في الحديث ، أحاديث رووها عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم نؤمن بمضمونها ، و نأخذ بمؤداها ، و نعتقد بمدلولها ، و لا مجال لورود شيء من المحاذير فيها ، كقوله صلى الله عليه و آله و سلم :

«ا لنجوم أمان لأهل السماء و أهل بيتي أمان لأمتي » 21 .

و قوله :

« النجوم أمان لأهل السماء ، فإذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء و أهل بيتي أمان لأهل الأرض ، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض » 22 .

و قوله :

« النجوم أمان لأهل الأرض من الغرق ، و أهل بيتي أمان لأمتي من الاختلاف ، فإذا خالفها قبيلة اختلفوا فصاروا حزب إبليس » 23 .

و إنما قلنا ذلك : لاعتضادها بآيات القرآن العظيم و الأحاديث المتواترة عن النبي الكريم صلى الله عليه و آله و سلم ، و ثبوت عصمة أئمة أهل البيت ( و هم علي و بنوه الأحد عشر ) بالكتاب و السنة ، و عدم اختلافهم في شيء من الأحكام ، و حرصهم التام على تطبيق الشريعة المقدسة . . .

و ختاما نعود فنسأل : هل يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم ؟

الجواب : كلا . . فإن التتبع لكلمات أئمة أهل السنة و آرائهم في هذا الحديث ، و النظر في أسانيده ، و التأمل في متنه . . . كل ذلك يدل بوضوح على أن هذا الحديث موضوع باطل بجميع ألفاظه و أسانيده لا يصح التمسك به و الاستناد إليه .

و يرى القارئ الكريم أنا لم نعتمد في هذا البحث إلا على أوثق المصادر في الحديث و التاريخ و التراجم و غيرها ، ولم ننقل إلا عن أعيان المشاهير و أئمة الحديث و التفسير و الأصول و التاريخ .

و نسأله سبحانه و تعالى أن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم ، و أن يوفقنا لتحقيق السنة و إتباع ما هو بذلك حقيق ، و الاقتداء بمن هو به جدير . . . و صلى الله على سيدنا محمد الهادي الأمين و آله المعصومين و الحمد لله رب العالمين 24 .

 

    1. القران الكريم : سورة آل عمران ( 3 ) ، الآية : 144 ، الصفحة : 68 .

    2. القران الكريم : سورة التوبة ( 9 ) ، الآية : 101 ، الصفحة : 203 .

    3. رواه جماعة ، و قال العلامة المقبلي في ( العلم الشامخ ) : « و حديث افتراق الأمة إلى سبعين فرقة رواياته كثيرة يعضد بعضها بعضا بحيث لا تبقى ريبة في حاصل معناه » . المذاهب الاسلامية لمحمد أبو زهرة : 14 .

    4. صحيح البخاري باب في الحوض : 4 / 87 ـ 88 و غيره من الصحاح و كتب الحديث .

    5. إرشاد الفحول : 76 .

    6. الجامع الصغير . قال المناوي ، خرجه الإمام أحمد في المسند ، و كذا أبو يعلى عن أبي نفيسة ، و رواه أحمد والطبراني عن أبي موسى ، و أبو نعيم في الحلية عن أي بكر . فيض القدير : 4 / 173 .

    7. هذه القصة مشهورة رواها كافة أرباب التواريخ ، كالطبري و ابن الأثير و ابن خلدون و المسعودي و أبي الفداء . . . و غيرهم .

    8. و هذه الواقعة أيضا مشهورة تجدها في جميع التواريخ و السير و كتب الكلام ، و هي إحدى موارد الطعن في أبي بكر بن أبي قحافة .

    9. وفيات الأعيان : 2 / 455 ، ابن كثير : 7 / 81 ، الطبري : 4 / 207 . و في الواقعة هذه مخالفتان للنصوص الشرعية و الأحكام الإسلامية الضرورية كما لا يخفى .

    10. صحيح البخاري و غيره .

    11. المبسوط في الفقه الحنفي كتاب الإكراه .

    12. شرح النهج : 3 / 123 ط مصر ، و في القضية مخالفات للنصوص الشرعية كما لا يخفى .

    13. ذكر ذلك جميع المفسرين و علماء الكلام .

    14. الموطأ : 2 / 59 ، و انظر شرحه للسيوطي .

    15. تفسير ابن كثير : 1 / 327 ، الدر المنثور : 1 / 365 كلاهما في تفسير الآية 275 من سورة البقرة النازلة في تحريم الربا ، و أضاف ابن كثير : « و هذا الأثر مشهور » و ذكره ابن الأثير في ( جامعه ) و المرغياني في ( هدايته ) و الكاساني في ( بدائعه ) .

    16. المغفور ، جمعه مغافر و مغافير : صمغ كريه الرائحه يسيل من بعض الشجر .

    17. تجده في الصحاح و غيرها .

    18. تقدم قوله : و الكلام أيضا منكر عن النبي صلى الله عليه ( و آله ) و سلّم .

    19. إعلام الموقعين عن رب العالمين : 2 / 223 ـ 224 .

    20. راجع سلسله الأحاديث : 1 / 83 حيث قال : « فمن المحال أن يأمر رسول الله صلى الله عليه ( و آله ) و سلم بإتباع كل قائل من الصحابة . . . » .

    21. ذخائر العقبى : 17 تحت عنوان ( ذكر أنهم أمان لأمة محمد صلى الله عليه و آله و سلّم ) ، إحياء الميت : 19 عن جماعة من أئمة الحديث .

    22. ذخائر العقبى : 17 ، إسعاف الراغبين : 130 ( بهامش نور الأبصار ) كلاهما عن أحمد .

    23. إحياء الميت : 24 عن الحاكم ، إسعاف الراغبين : 130 إلى « الاختلاف » قال صححها الحاكم على شرط الشيخين » .

    24. رسالة في حديث أصحابي كالنجوم للسيد علي الحسيني الميلاني : 52 ـ 59 .

التعليقات
إرسال تعليق
اشترك في النشرة الإخبارية
انقر لاستلام النشرة الخبریة .
أحدث المعلومات التي تحتاج إلى معرفتها

تابعونا على غوغل بنقرة على زر +1